الدماء الرخيصة

0 64

انتشر فى مجتمعنا جرائم القتل التى لم أنكر وجودها منذ الأزل ، ومع بداية الخليقة ، ولكن زادت حدتها فى الآونة الأخيرة بشكل يثير الرعب والفزع ، فالقتل أصبح أول بدائل الانتقام ، وأيسر الطرق لحل المشاكل وفض المنازعات فى نظر الكثيرين ، ربما أيسر من النقاش والتفاوض ، فلا عاد للعتاب قيمة ، ولا للطرق السلمية سبيل ، ولا للجوء إلى القضاء جدوى ، بل صرنا نتجاهل كل وسائل العقاب سوى العنف والقتل وإراقة الدماء ، وكأنه الحل الوحيد والأمثل . فلم وصلنا إلى هذا المنحدر الأخلاقى والدينى ؟! ولم لم نعد نحكم كتاب الله ونقتدى بهدى نبينا –صلى الله عليه وسلم- فى حل المشاكل والخلافات بيننا ؟! وإلى متى سنقف مكتوفين الأيدى عن مثل هذه الجرائم التى تتكرر فى مجتمعنا يوم تلو الآخر حتى أصبح الحديث عنها يحتل المركز الأول فى الأحاديث العائلية وعبر وسائل التواصل الاجتماعى وفى كل مكان ؟! ولماذا يتهاون القضاء فى دماء الأبرياء ولا يحكم بالعقوبة الرادعة والقصاص العدل كما أمر الله حتى نقضى على تلك الجرائم ؟! لماذا أصبحت الدماء رخيصة إلى هذا الحد ؟!

إن كل ما نشهده اليوم ونمر به ما هو إلا حصاد تربية وسلوك الآباء والأمهات مع أبنائهم .. فالقاتل نشأ طفلًا مدللًا ، أو مهملًا ساقطًا من ذاكرة أبويه ، يخطئ ولا يعاقَب ، ويتجاوز ولا أحد يعترضه ، ويتطاول على الآخرين ولا أحد ينصحه ، أو يأخذ على يديه ، ولم يلقَ إلا الاستجابة لمطالبه أو التجاهل التام لتصرفاته ، أو المبالغة فى العنف تجاهه مما قد ينتج عنه مالا يحمد عقباه ، فلم يبث أبويه بداخله الوازع الدينى والأخلاقى بالقدر الذى يجعله يكبت رغباته بداخله تفاديًا لتعدى حدود الله ، وعدم المساس بمكارم الأخلاق ، لم يزرع أبويه بداخله حب العفو والصفح والإحسان أو اللجوء إلى الوسائل المشروعة إذا اقتضى الأمر ، لم يقومانه على التريث والتعقل فى إدارة الأزمات بدلًا من إستعراض القوة مما ساعده على التمادى فى تجاوزاته حتى وصل إلى حد القتل ، وصرنا نودع كل يوم شهداء ضحايا القتل والعنف والفوضى ، كما أن غياب الأجهزة الأمنية واستهانتها بحالات التحرش والتهديد وما إلى ذلك أدى إلى تفاقم المشكلة ، أيضًا إستغلال المناصب للإطاحة بالمواطنين لأتفه الأسباب ، وإزهاق أرواحهم الطاهرة دون وجه حق عمل على تفشى حالات القتل بشكل ملحوظ .

والآن … نحن فى أمس الحاجة إلى القضاء على تلك الجرائم ونبذ العنف ، نحن فى حاجة إلى حل جذرى يوقف هذا النزيف ويضمد الجراح وإن كانت الأجهزة الأمنية لا تقوم بدورها على الوجه الأمثل فلابد أن نبدأ نحن ونعمل بمبدأ ( الوقاية خير من العلاج ) ونقوم بتنشئة أبنائنا نشأة دينية معتدلة ، وترويضهم على الإستجابة لأوامر الله وخشيته وعدم الانسياق لرغباتنا ، قال تعالى :” والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ” .

فقتل النفس ذنب قد خصّه الله تعالى بعقوبة لم يخص بها ذنب غيره .. قال تعالى :” ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا “.

وقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فى خطبة الوداع : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا ) ، وقال فى حديث آخر : ( لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق ) .

فالإسلام نهى عن قتل الحيوانات بغير حق ونهى عن تعذيبها ، فما بالك بالمسلم ؟! فيا كل من يستهن بقتل النفس ويتخذها هزوًا احذر حرمة الدماء فهى كبيرة عند الله ، واحذر عقابه الذى أعد لك فى الدنيا والآخرة ، وكن على يقين بأنه ( كما تدين تدان ) ، ومن قتل يُقتل ولو بعد حين ، واحذر بطش ربك ” إن بطش ربك لشديد ” ، ويكفيك رادعًا قوله –صلى الله عليه وسلم- : ( لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا فى دم مؤمن لأكبهم الله فى النار ) .

تغمد الله الشهداء برحمته وواسع فضله وانتقم من كل قاتل إنه عزيز ذو إنتقام .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.